فخر الدين الرازي
151
النبوات وما يتعلق بها
أن صاحب هذا الكتاب كان مضطرب الرأي في الجبر والقدر ، غير جازم بأحد الطرفين . الوجه الثالث : أنه ما ظهر من الأنبياء سعى تام في البحث عن ذات اللّه تعالى وصفاته ، وكيفية ما يجب ويجوز ويستحيل عليه ، وكيفية أفعاله . ولم يتكلموا في اثبات النفس وحدوثها وبقائها ، بل تركوا هذه الأصول بالكلية ، وأكثروا المبالغة في تقرير موضوعاتهم الجديدة ، وفي نسخ موضوعات المتقدمين . إذا ثبت هذا ، فنقول : أطباقهم على التساهل في الأمور العالية العظيمة ، وعلى التشديد في الأمور الهينة « 16 » ، يدل على أن المطلوب من هذه الشرائع : تقرير مطالب الدنيا . الوجه الرابع : أن الشرائع مشتملة على التكليف بالقتل ، وأخذ المال . وهذا على خلاف العقل . لأنا نقول : خالق هذا الكافر ، كان في أول الأمر قادرا على أن لا يخلفه ، وبعد أن خلقه فهو قادر على أن يميته . فإن كان الصلاح في [ افنائه واعدامه فلم خلقه ؟ وان كان الصلاح في « 17 » ] ابقائه واحيائه . فلم أمر بقتله ؟ فان قالوا : لم لا يجوز أن يحصل للقاتل بسببه [ ذلك المقتول « 18 » ] نوع مصلحة ؟ فنقول : لكنه حصل للمقتول أعظم أنواع الضرر ، وهو القتل في الدنيا ، والوصول إلى أشد العذاب في الدنيا والآخرة ، لأجل أن يصل العبد الثاني إلى نوع من أنواع الخير والراحة . فإنه ليس السعي في تعذيب أحدهما ، لأجل ايصال النفع إلى الثاني . أولى من العكس . الوجه الخامس : هو أن المعتبر : اما معرفة اللّه تعالى بذاته وصفاته ومعرفة اليوم الآخر . واما تحصيل مصالح المعاش ، وكلا الأمرين غير موقوف على متابعة الرسول المعين ، لأن الذين تركوا هذه المبالغة ، قد فازوا
--> ( 16 ) الأمور الإلهية السهلة ( ت ، ط ) . ( 17 ) من ( ل ، طا ) . ( 18 ) من ( ل ، طا ) .